عبد الملك الجويني
150
الشامل في أصول الدين
والثالثة : على القول بالحال ، وتعليل التماثل . فإن نفينا الأحوال ، اتسق كلامنا ، واتضح ما نبتغيه من منع التماثل من وجه ، مع الاختلاف من وجه . فإنا على نفي الحال ، ننفي الوجوه والصفات الزائدة على الذات . وإن أطلقنا الوجوه في بعض مجاري الكلام ، أشرنا بها إلى اختلاف العلوم المتعلقة بالذات الواحدة ، فخرج من هذه الجملة أن السواد إذا خالف البياض في كونه سوادا ، إذ كونه لونا غير كونه سوادا ، وكذلك كونه عرضا غير كونه سوادا ، وليس بوصف زائد عليه . فإذا خالف البياض في كونه سوادا ، فقد خالفه في وجوده ، ووضوح ذلك يغني عن بسط القول فيه . فأما الكلام على الطريقة الثانية - وهي إثبات الأحوال ، ومنع التعليل - فواضح أيضا . وذلك أن محصول قولنا في هذه الطريقة ما نوضحه الآن . فنقول : المثلان هما المستويان في جميع صفات النفس ، ولا نقول إنهما تماثلا لعلة ، فيلزمنا دفع نقض موجبه على طرد العلة . وإذا اختلف الشيئان من وجه ، فليسا متماثلين من كل وجه ، إذ يستحيل التماثل من جميع الوجوه مع الاختلاف في وجه من الوجوه ، فإن هذا غاية التناقض ، لا يخفى مدركه على عاقل . والمشتركان في بعض الأوصاف ليسا بمثلين . فيقول القائل : تماثلا من وجه ، واختلفا من وجه ، إذ لا تماثل إلا من كل الوجوه . وليس ذلك حكما معللا بالاجتماع في وصف . فيلزم منه تماثل كل مشتركين ، وإيضاح ذلك - على القول بتعليل التماثل - سهل المرام أيضا . وسبيل تمهيد القول فيه أن نقول : يستحيل أن يلتبس من الاشتراك في الوجود تماثل . ونحصر الاختلاف الحقيقي - في مختلفين - في صفة الوجود . فإن الاختلاف لا يتحقق إلا بين موجودين ، ويستحيل أن يخالف الوجود عدما ، إذ العدم نفي محض ، والمخالفة من صفات الإثبات ، ويستحيل الجمع بين تمحيص النفي ، وتثبيت صفات الإثبات . فمن ضرورة المختلفين وجودهما ، ومرام المتكلم في صفة الاختلاف أن أحد الموجودين لما اختص بصفة نفس لم تثبت للثاني ، كان هذا الموجود - من حيث اختص بصفته - مخالفا للموجود الثاني من حيث اختص بصفة أخرى . فهذا ما أرادوه باختلاف الموجودين . فأما طلب الاختلاف في نفس الوجود ليثبت لأحدهما ، وينتفي عن الثاني فمحال ، ومن غلا ، فشرط الاختلاف في صفة الوجود ، أركسه ذلك على أم رأسه ، وجرّه إلى نفي الاختلاف ، إذ لا يعقل الاختلاف إلا بين موجودين ، ففي شرط الاختلاف في الوجود نفي الاختلاف . وكل شرط في حكم لو قدّر ثبوته في حكمه ، لم يكن شرطا ؛ بل كان مناقضا . فإذا وضح ذلك في